عالم الفن والمشاهير

شاهد .. لهذه الأسباب اخترنا دعم المايكرودراما.. مستقبل الحكاية العربية

شاهد .. لهذه الأسباب اخترنا دعم المايكرودراما.. مستقبل الحكاية العربية

باسل النجار - القاهرة - السبت 15 أغسطس 2026 11:53 مساءً - هناك أشياء كثيرة تغيرت في حياتنا خلال السنوات الأخيرة، وربما كان أكثرها وضوحا الطريقة التي نشاهد بها الحكايات، جيل كامل لم يعد ينتظر موعد المسلسل على شاشة التلفزيون، ولا يجلس بالضرورة أمام شاشة كبيرة لمتابعة حلقة تمتد لنحو ساعة.

الهاتف أصبح هو الشاشة الأقرب، والمحتوى أصبح يذهب إلى المشاهد أينما كان، في المواصلات وفي الجامعة وفي العمل وفي المنزل، وحتى في الدقائق القصيرة التي كانت في السابق مجرد وقت ضائع.

من هنا جاءت فكرة المحترف للمايكرو دراما العربية، التي يطلقها الاتحاد العربي لوسائل الإعلام بالتعاون مع شركتي ستوري لاب وهاما للإنتاج الفني، باعتبارها أكثر من مجرد مبادرة لاكتشاف المواهب.

نحن أمام محاولة للاقتراب من المستقبل قبل أن يصبح حاضرا كاملا، فالمايكرو دراما تتعدى حدود المسلسل القصير كما أنها ليست اختصارا لمسلسل طويل.. هي لغة مختلفة في الحكي، لها إيقاعها وأدواتها وطريقة بنائها وشخصياتها ونهاياتها تحتاج إلى كاتب يعرف كيف يقول الكثير في دقائق قليلة، ومخرج يعرف كيف يصنع عالما كاملا في مساحة زمنية محدودة، وممثل شاطر يستطيع أن يترك أثرا في المشاهد دون مساحات طويلة للحوار، ومنتج يفهم أن الجمهور الجديد لديه خيارات لا تنتهي.

وهذا الجمهور تحديدا هو الذي يجب أن نذهب إليه بدلا من أن ننتظر عودته إلينا.

جيل الشباب العربي اليوم يعيش على الهاتف، ويستهلك جزءا كبيرا من المحتوى عبر المنصات الرقمية ولذلك فإن صناعة الدراما لا تستطيع أن تتجاهل هذه الحقيقة أو تتعامل معها باعتبارها ظاهرة مؤقتة.

نحن لا نقول إن المايكرو دراما ستلغي المسلسل التقليدي أو السينما أو التلفزيون، ولكننا نقول إن هناك مساحة جديدة تولد كل يوم، وهذه المساحة تحتاج إلى صناعة عربية حقيقية.. لا مجرد تجارب فردية متفرقة.

والأهم بالنسبة لنا أن تكون هذه الصناعة صناعة عربية، لدينا في الوطن العربي ملايين الشباب الذين لديهم أفكار وقصص ومواهب، لكن كثيرا منهم لا يجد الطريق الذي ينقل الفكرة من الورق أو الهاتف إلى الشاشة.

وهنا تأتي أهمية الشراكة مع ستوري لاب وهاما للإنتاج الفني، فالمبادرات الحقيقية لا تكتفي بأن تقول للشباب.. لديكم موهبة.

المطلوب أن نقول لهم لدينا طريق يمكن أن يحول موهبتكم إلى عمل،

أن نعطي الكاتب فرصة، والمخرج فرصة، والممثل فرصة، وصانع المحتوى فرصة، وأن نفتح أمامهم بابا يصل بهم من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التطوير ثم الإنتاج والوصول إلى الجمهور.

وهذا هو أحد أهم أهداف «المحترف».. أن نكتشف المواهب، ونساعدها على التطور، ونمنحها فرصة حقيقية للدخول إلى صناعة الدراما الرقمية.

لكن هناك جانبا آخر أراه أكثر أهمية، وهو السؤال ماذا سنحكي؟

ليس المطلوب أن ننتج مئات الأعمال القصيرة لمجرد أنها قصيرة، نحن نريد أن تكون المايكرو دراما مساحة للحكاية العربية، بكل ما فيها من قضايا وتفاصيل وهموم وأحلام.

نريد أعمالا تتحدث عن الأسرة والعلاقات الإنسانية والتنمر والعنف والإدمان، وضغوط الحياة والتعليم والعمل والتغيرات التي يعيشها الشباب، وغيرها من القضايا الاجتماعية التي تحتاج إلى أن تصل إلى الجمهور بطريقة قريبة من لغته ووسيلته المفضلة في المشاهدة.

وأعتقد - وأنا هنا أتحدث كأحد صناع الدراما والسينما منذ زمن بعيد - أن المايكرو دراما يمكن أن تكون واحدة من أهم أدوات التوعية المجتمعية إذا أحسنا استخدامها.

دقيقة أو دقيقتان أو خمس دقائق قد تكون أحيانا كافية لطرح قضية كاملة، أو فتح سؤال، أو تغيير فكرة خاطئة أو جعل شخص يعيد النظر في سلوك اعتاد عليه.. وهنا يأتي اهتمام المبادرة بإطلاق مسارات متخصصة للمايكرو دراما الموجهة إلى الأطفال وذوي الهمم.

نحن لا نريد صناعة محتوى عربي قصير للجمهور العام فقط، وإنما نريد أن يكون الجميع جزءا من هذه الصناعة، فالأطفال يحتاجون إلى محتوى عربي آمن وممتع وذكي، لا يكتفي بالتسلية وإنما يساعد في بناء الوعي والشخصية والخيال.

وذوو الهمم لا يجب أن يكونوا دائما موضوعا للقصة، بل يجب أن يكونوا أيضا جزءا من صناعتها، أمام الكاميرا وخلفها، وأن نمنح المواهب من هذه الفئات فرصة حقيقية للتعبير عن أنفسهم والمشاركة في صناعة المحتوى.

وهذه النقطة تحديدا مهمة للغاية.

نحن لا نريد دراما تتحدث عن المجتمع من الخارج نريد دراما تنبع من المجتمع نفسه، وتمنح مساحات حقيقية لأفراده المختلفين، وتسمح لهم بأن يرووا حكاياتهم بأنفسهم، فالدراما في النهاية ليست مجرد كاميرا وممثلين ونص.

الدراما ذاكرة المجتمع، وعندما نمتلك القدرة على صناعة حكايات قصيرة تصل إلى الشباب على هواتفهم، فإننا نمتلك وسيلة شديدة القوة للتأثير، بشرط ألا نستخدمها في الوعظ المباشر أو الخطاب التقليدي.

الجمهور الجديد لا يريد من يشرح له الحياة.. هو يريد أن يرى نفسه فيها، يريد شخصية تشبهه، ومشكلة يعرفها، وموقفا مر به، ونهاية تجعله يفكر.

وهنا تكمن قوة المايكرو دراما.

أنها تستطيع أن تبدأ من تفصيلة صغيرة جدا، ثم تفتح منها قضية كبيرة،

يمكن أن تبدأ من أم تنتظر ابنها، أو طفل يتعرض للتنمر، أو شاب يحاول الحصول على أول وظيفة، أو فتاة تواجه ضغطا اجتماعيا، أو شخص من ذوي الهمم يحاول إثبات نفسه في مجتمع لا يزال ينظر إليه أحيانا من زاوية الشفقة بدلا من زاوية القدرة.

هذه الحكايات لا تحتاج دائما إلى ميزانيات ضخمة حتى تكون مؤثرة، تحتاج إلى فكرة جيدة، وكتابة جيدة، ومخرج يفهم لغة الشاشة الصغيرة، وفريق يعرف كيف يصل إلى الإنسان.

ومن هنا أيضا تأتي أهمية وجود المؤسسات الإنتاجية داخل هذه التجربة.

الاتحاد العربي لوسائل الإعلام يستطيع أن يوفر المظلة العربية، ويستطيع الوصول إلى المواهب والمؤسسات والجامعات، لكن صناعة الدراما تحتاج كذلك إلى خبرات تعرف السوق والإنتاج والتنفيذ.

ولهذا فإن الشراكة مع ستوري لاب وهاما للإنتاج الفني ليست تفصيلا إداريا، وإنما جزء أساسي من الفكرة.

نريد أن نربط الموهبة بالصناعة أن نربط الفكرة بالإنتاج وأن نربط المبدع العربي بالجمهور العربي، والأهم أن نخلق مساحة لاكتشاف جيل جديد من صناع الدراما، بدلا من أن تظل الصناعة تدور في دائرة الأسماء نفسها.

ربما تكون أهم ميزة في المايكرو دراما أنها تمنحنا فرصة لإعادة اكتشاف معنى «البداية».. يمكن لشاب يكتب أول نص له اليوم أن يجد نفسه غدا جزءا من مشروع إنتاج حقيقي.

ويمكن لفكرة كتبها صانع محتوى على هاتفه أن تتحول إلى عمل يشاهده ملايين الأشخاص.

ويمكن لموهبة جامعية لا تعرف كيف تدخل المجال أن تجد من يأخذ بيدها ويضعها على أول الطريق.

وهذا هو المستقبل الذي نريد أن نعمل من أجله.. لا نريد فقط أن نقول إن المايكرو دراما هي المستقبل، ثم ننتظر المستقبل.

نريد أن نشارك في صناعته، وأن تكون لدينا صناعة عربية للدراما القصيرة، لها كتابها ومخرجوها وممثلوها ومنتجوها، ولها معاييرها المهنية، ولها جمهورها، والأهم أن تكون لها هويتها العربية.

فالمنصات قد تكون عالمية، والهاتف واحدا في كل مكان، لكن الحكاية تستطيع أن تكون عربية.

أقولها بكل صدق نحن أمام فرصة لا ينبغي أن نفوتها، فالتكنولوجيا غيرت طريقة مشاهدة الناس للدراما، لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع النجاح.

الذي يصنع النجاح هو الإنسان القادر على استخدام هذه التكنولوجيا ليحكي حكاية تستحق أن تروى.

وهذا هو ما نريده من المحترف للمايكرو دراما العربية، أن نفتح الباب للمواهب، وأن نمنح الشباب فرصة، وأن نقترب من الجمهور الجديد، وأن ننتج محتوى يحمل قيمة فنية وإنسانية ومجتمعية، وأن نثبت أن الدراما العربية قادرة على أن تتغير دون أن تفقد هويتها.

المستقبل لن ينتظرنا حتى نجهز أنفسنا له، ولذلك علينا أن نبدأ الآن في صناعة حكايات المستقبل.

للمزيد تابع

الخليج 24 على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
Advertisements

قد تقرأ أيضا