ياسر الجرجورة - الرياض - الاثنين 19 أكتوبر 2026 12:07 مساءً - فى لحظات الخطر الكبرى، لا تُقاس مكانة الدول بما تقوله فى بيانات التضامن، وإنما بما تفعله عندما تصبح التهديدات واقعا، وتتحول الكلمات إلى مسؤولية، ويصبح أمن الأشقاء جزءا من معادلة الأمن القومى، وتاريخ مصر فى مراحله المختلفة مرصع بالمواقف الداعمة والمشرفة حيال أشقائها وأصدقائها، بدءا من مواجهة المغول والصليبيين إلى الحروب العربية الإسرائيلية، وصولا إلى حرب تحرير الكويت عام 1991، والوقوف بقوة فى عدم تصفية القضية الفلسطينية، وتقسيم ليبيا والسودان، ثم الموقف المصرى الراهن من أمن المملكة العربية السعودية.
فلا جديد فى موقف مصر حيال الدفاع ومساندة وتقديم كل أشكال الدعم لأشقائها فى الخليج، وما أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسى، عن تقدم كل الدعم للأشقاء فى المملكة العربية السعودية ما هو إلا استكمال لدور مصر التاريخى، ففى الثالث من سبتمبر عام 1260، وقعت معركة عين جالوت فى فلسطين، بين جيش مصر بقيادة سيف الدين قطز، وبمشاركة القائد الظاهر بيبرس فى قيادة القوات، وبين الجيش المغولى بقيادة كتبغا، تمثل تلك المعركة محطة حاسمة فى وقف التوسع المغولى غربا، بعدما اجتاح المغول بغداد عام 1258، ثم دمروا مدنا فى بلاد الشام.
وردا على بعض المشككين من جماعات أهل الشر، من أن جيش مصر كيف له أن يخرج خارج الحدود لخوض معركة بعيدا عن أرضه، فإن معركة عين جالوت أبلغ رد، فهى معركة خارج الحدود المصرية، وبقرار سياسى وعسكرى اتخذه حكام مصر آنذاك لمواجهة خطر كان يهدد المنطقة بأسرها، ولهذا تظل المعركة شاهدا على أن القوة المتمركزة فى مصر أدت دورا يتجاوز حماية حدودها المباشرة، وأسهمت فى تغيير مسار تاريخ المشرق الإسلامى.
وبالمنطق ذاته، خرج جيش مصر أيضا فى يوليو عام 1187 لمواجهة الصليبيين فى حطين، دفاعا عن القدس، بقيادة صلاح الدين الأيوبى، وتمكن الجيش المصرى من سحق القوات الصليبية، ومهدت الطريق لاستعادة القدس فى الثانى من أكتوبر من العام نفسه.
وحديثا، خاضت مصر حروبا، دفاعا عن مقدسات الأمة العربية والإسلامية، عندما خرج جيش مصر لمواجهة العصابات الصهيونية، وكانت نتائج مواقفها أن تعرضت للعدوان الثلاثى 1956، والمفارقة المهمة أن السعودية وقفت آنذاك إلى جانب مصر، ثم خاض جيش مصر معركة استرداد الكرامة فى عام 1973، وتمكنت من هزيمة الجيش الإسرائيلى الذى كان يترنم قادته بشعار «الجيش الذى لا يقهر»، وأيضا لعب الأشقاء فى السعودية دورا بارزا فى المعركة، عن طريق تقديم الدعم الاقتصادى والسياسى، ثم استخدام سلاح النفط للضغط على الدول الداعمة لإسرائيل، وهنا تتجلى قيمة التنسيق العربى، فمصر تقاتل على الجبهة، وأشقاؤها يسندون المواجهة بأدواتهم المختلفة.
وفى التاريخ المعاصر، خرج جيش مصر لمنطقة الخليج، وتحديدا فى أغسطس 1991 للمشاركة فى تحرير الكويت وإنقاذ الأشقاء فى الخليج من سيناريو كارثى، كان مخططا له سلفا، إيمانا بأن المشاركة المصرية تعبيرا عن إدراك أن أمن الخليج ليس شأنا بعيدا عن القاهرة، وأن تهديد دولة عربية واحتلال أراضيها يمكن أن ينعكس على أمن المنطقة بأسرها.
دور مصر أيضا المهم والجوهرى فى الوقوف أمام مخطط تصفية القضية الفلسطينية، بتهجير أهالى غزة، بجانب موقفها الداعم والقوى لوحدة الأراضى الليبية، والسودانية، ودعم المؤسسات الوطنية، وعدم الاعتراف بالميليشيات المسلحة، أينما كانت، وأيا كان أهدافها.
تأسيسا على هذا السرد التاريخى المبسط، يأتى الدور المصرى الداعم للملكة العربية السعودية، عندما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت المملكة ذلك، ودعا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس النواب لمنح التفويض اللازم، فى ظل تصاعد الهجمات الحوثية على أهداف سعودية، بينها منشآت حيوية ومرافق فى الرياض.
كما أن العلاقات المصرية السعودية تستند إلى تاريخ مؤسسى واضح، فقد وقعت الدولتان اتفاقية الدفاع المشترك فى السابع والعشرين من أكتوبر عام 1955، لتؤسس إطارا للتعاون فى حماية أمن البلدين.
موقف مصر رسميا وشعبيا تجاه دعم والدفاع عن الأشقاء فى السعودية، والخليج، وكل بلد عربى بشكل عام، يأتى انطلاقا من عقيدة راسخة، مفادها أن أمن الأشقاء ليس مجرد شعار، وأن استقرار الخليج يرتبط بمصالح مصر الاستراتيجية، وفى مقدمتها أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة العربية، وقناعة أيضا بأن الدول لا تختار دائما توقيت الأزمات، لكنها تختار كيف تتعامل معها، وما إذا كانت ستكتفى بالمشاهدة أم ستتحمل مسؤوليتها.
مصر، بتاريخها ومسؤوليتها نحو أشقائها، وموقعها وقدراتها، تدرك أن قوة الأشقاء ليست عبئا عليها، بل جزء من قوة الإقليم كله، وقوة الكنانة وبلاد الحرمين الشريفين، لا تصب فى مصلحة الشعبين الشقيقين، فحسب، ولكن فى مصلحة الأمتين العربية والإسلامية، وأن كل منهما منحه الله منحة من التأثير والقدرة والجدارة، يتفرد بها، لا تتقاطع وإنما مكملة لبعضها البعض، فى ترتيب قدرى للأدوار، وكأنها رسالة جوهرية مفادها لا يمكن استغناء أحدهما عن الآخر، فالمملكة هى الأرض التى كان يمشى عليها خير الأنام، رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تتكحل عيون الزائرين بالنظر إلى بيت الله الحرام، وأن يسعدوا بالصلاة فى مسجد رسول الله، وأن يسيروا فى هذه البلاد، التى شهدت هبوط الوحى من السماء.
وفى المقابل، فإن مصر تجلى على أرضها المولى عز وجل، وذُكرت فى الكتب المقدسة، ومنها القرآن الكريم الذى اختصها بالأمن والأمان وأنها خزائن الأرض، كما اقترن اسمها وشعبها بمباركة الله فى الإنجيل، لذلك لجأ إليها الأنبياء والرسل طلبا للأمن والأمان.
الحقيقة التاريخية الراسخة، أن ما يجمع بين القاهرة والرياض، الكثير، وأن رؤيتهما الاستراتيجية تجاه قضايا المنطقة واحدة، وتشكل محورا أساسيا فى معادلة الأمن القومى العربى، لما تمثله الدولتان من ثقل سياسى واقتصادى وثقافى.
أخبار متعلقة :