ياسر الجرجورة - الرياض - الاثنين 19 أكتوبر 2026 07:47 صباحاً - يعكس تأكيد فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي موقف مصر الثابت تجاه أمن المملكة العربية السعودية والأشقاء العرب رؤية استراتيجية تتجاوز حدود التضامن السياسي إلى جوهر الأمن القومي العربي، باعتباره منظومة مترابطة لا يمكن تجزئة عناصرها أو التعامل مع تهديدات أي دولة بمعزل عن انعكاساتها على بقية المنطقة.
التطورات الإقليمية بالتأكيد تفرض إدراكا أعمق لحقيقة أن أمن الدول العربية لم يعد مرتبطا بقدراتها الوطنية وحدها، وإنما أصبح يتأثر بدرجة التنسيق فيما بينها، وقدرتها على حماية مصالحها المشتركة، ومنع القوى المختلفة من استغلال التباينات السياسية أو الجغرافية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية على حساب استقرارها وسيادتها، ومن هنا، تكتسب الرسالة المصرية أهميتها؛ لأنها تؤكد أن حماية الأشقاء ليست استجابة عاطفية لظرف طارئ، بل امتداد لرؤية تعتبر استقرار المحيط العربي جزءًا أصيلًا من المصالح الاستراتيجية المصرية.
وتنبع قوة هذا الموقف من طبيعة الدور الذي تضطلع به مصر في المنطقة، باعتبارها دولة تمتلك ثقلا تاريخيا وسياسيا وجغرافيا، وتدرك أن مسؤوليتها لا تتوقف عند حماية مصالحها المباشرة، بل تشمل الإسهام في الحفاظ على التوازن الإقليمي ومنع اتساع دوائر الاضطراب، فالقوة المصرية لا تتجلى في مجرد إعلان المواقف، وإنما في القدرة على الجمع بين وضوح المبادئ وحسن تقدير العواقب، وبين دعم الأشقاء والسعي إلى احتواء الأزمات.
هذه معادلة بالغة الأهمية في منطقة تتشابك فيها الصراعات والمصالح، حيث يمكن لغياب التنسيق أن يحول أزمة محدودة إلى تهديد أوسع، بينما يسهم وضوح المواقف وتكامل الجهود في تقليص فرص التصعيد وحماية استقرار الدول.
والقراءة الأعمق للموقف المصري تكشف أن الردع لا يبدأ عند وقوع الاعتداء، بل من بناء بيئة إقليمية تدرك فيها الأطراف المختلفة أن استهداف دولة عربية لن يكون بلا تداعيات سياسية واستراتيجية، غير أن هذا الردع لا ينبغي اختزاله في أدوات القوة الصلبة، بل يمتد إلى وحدة الرسائل الدبلوماسية، وتنسيق السياسات، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وإغلاق المساحات التي يمكن أن تستغلها الأطراف الساعية إلى زعزعة الاستقرار، فكلما ازدادت الثقة بين الدول العربية، وأصبحت مواقفها أكثر اتساقا في القضايا المصيرية، تراجعت فرص المراهنة على انقسامها.
ومن ثم، فإن الحزم المصري تجاه أمن الأشقاء يتكامل مع الدعوة إلى التهدئة والحلول السياسية، لأن الهدف الاستراتيجي ليس توسيع المواجهة، بل منع التهديدات من التحول إلى واقع يفرض على المنطقة أثمانًا باهظة.
وتتصل هذه الرؤية بمفهوم أوسع للأمن العربي، يقوم على أن العلاقات بين الدول لا تقاس فقط بمدى تعاونها في أوقات الاستقرار، وإنما بقدرتها على حماية المصالح المشتركة عندما تتعرض للاختبار، فالأشقاء العرب يواجهون تحديات تتجاوز الحدود الوطنية، تشمل اضطراب الممرات البحرية، وتقلبات أسواق الطاقة، ومخاطر سلاسل الإمداد، والضغوط الاقتصادية، وتداخل الأزمات الإقليمية، والتعامل مع هذه الملفات بصورة منفردة يضاعف التكلفة ويحد من فاعلية الاستجابة، بينما يوفر التنسيق العربي فرصة لتبادل المعلومات والخبرات، وتوحيد المواقف الدبلوماسية، وتطوير آليات مشتركة لإدارة الأزمات، لذلك، فإن التضامن المطلوب ليس مجرد اتفاق على المبادئ، بل قدرة مؤسسية على ترجمة هذه المبادئ إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
ولا شك أن المملكة العربية السعودية تحتل موقعا خاصًا في هذه المعادلة، بالنظر إلى ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي، فاستقرار المملكة لا يقتصر أثره على محيطها المباشر، بل يمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار، وإلى توازنات الخليج والشرق الأوسط، كما أن موقعها الجغرافي يمنحها أهمية محورية في معادلات أمن الخليج والبحر الأحمر، بما يجعل أي اضطراب يهددها قابلًا للانعكاس على مصالح إقليمية ودولية واسعة.
وتكتسب العلاقة المصرية السعودية أهميتها أيضا من أنها تمثل ركيزة للتوازن العربي، بما تمتلكه الدولتان من قدرات ومصالح متكاملة ومكانة مؤثرة في القضايا الإقليمية، فالقاهرة والرياض ليستا مجرد شريكين تربطهما علاقات ثنائية واسعة، بل تمتلكان قدرة كبيرة على التأثير في مسارات العمل العربي، ودعم الحلول السياسية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والأمني، وعندما تتقارب الرؤى بينهما بشأن القضايا المصيرية، فإن ذلك يوسع مساحة التحرك الدبلوماسي العربي، ويعزز فرص بناء مواقف مشتركة تحمي السيادة وترفض الاعتداء وتحد من محاولات فرض الوقائع بالقوة، ولهذا، فإن الحفاظ على قوة هذه العلاقة يمثل مصلحة استراتيجية متبادلة، تتطلب استمرار الحوار والتنسيق، وتطوير التعاون بما يتناسب مع حجم التحديات الراهنة.
كما أن استحضار الرئيس السيسي لما قدمته السعودية والإمارات والكويت لمصر في مراحل صعبة يبرز البعد التاريخي والأخلاقي للعلاقات العربية، لكنه يحمل كذلك دلالة سياسية أعمق؛ وهي أن الثقة بين الدول تبنى عبر المواقف المتراكمة، وأن الاعتراف بالدعم المتبادل يمثل أساسًا لاستمرار الشراكات الاستراتيجية، غير أن قيمة هذا الرصيد التاريخي تزداد عندما يتحول إلى تعاون مستقبلي يحقق مصالح الشعوب، ويعزز قدرة الدول على مواجهة الأزمات، ويؤسس لعلاقات أكثر استدامة من تقلبات اللحظة السياسية، فالعلاقات الراسخة لا تكتفي باستدعاء مواقف الماضي، بل توظفها في بناء مستقبل مشترك يقوم على المصالح المتبادلة والاحترام والثقة.
ومن هنا، يبرز أمن البحر الأحمر باعتباره أحد أهم المجالات التي تتقاطع فيها المصالح المصرية والسعودية والخليجية، فالممرات البحرية ليست مجرد مسارات جغرافية، بل شرايين رئيسية للتجارة العالمية ونقل الطاقة والسلع، وأي اضطراب فيها يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤثر في سلاسل الإمداد ويزيد الضغوط على الاقتصادات، وتمنح قناة السويس مصر موقعا محوريًا في حركة التجارة بين الشرق والغرب، فيما تمثل السواحل السعودية على البحر الأحمر والخليج العربي جزءًا مهمًا من منظومة الربط البحري الإقليمي. ويجعل هذا التشابك حماية الملاحة مسؤولية تتطلب تنسيقًا مستمرًا، وتبادلًا للمعلومات، وتعاونًا في مواجهة المخاطر، إلى جانب التحرك الدبلوماسي لتجنب التصعيد الذي قد يهدد المصالح المشتركة.
ولا تكتمل هذه المعادلة من دون الانتقال بالعلاقات العربية من التنسيق السياسي والأمني إلى التكامل الاقتصادي المنتج، فمصر تمتلك قاعدة بشرية وصناعية وموقعا لوجستيا مهما، فيما تمتلك السعودية قدرات استثمارية كبيرة وخططًا واسعة لتنويع اقتصادها، ويمكن توظيف هذه المقومات في تطوير مشروعات مشتركة في الصناعة والطاقة المتجددة والأمن الغذائي والنقل والتكنولوجيا، وبناء سلاسل إمداد إقليمية أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات العالمية.
ويمنح هذا التكامل العلاقات الثنائية عمقا إضافيا، لأنه يحول الاستقرار من مصلحة سياسية عامة إلى مصلحة اقتصادية ملموسة ترتبط بفرص العمل والإنتاج والاستثمار ومستقبل الأجيال الجديدة.
الموقف الذي أكده الرئيس السيسي تجاه السعودية والأشقاء العرب يعيد التأكيد على حقيقة استراتيجية مفادها أن قوة المنطقة لا تتحقق بانفراد كل دولة بمواجهة تحدياتها، وإنما بقدرتها على تنسيق مصالحها وتكامل قدراتها واحترام سيادة بعضها البعض. فالسعودية شريك محوري في معادلة الاستقرار العربي، ومصر ركيزة أساسية في العمل العربي المشترك، وبقية الدول العربية تمتلك من الموارد والمقومات ما يمكن أن يجعل التعاون بينها مصدر قوة وتأثير إذا توافرت الإرادة السياسية والآليات الفاعلة، إن وحدة المصير ليست شعارًا عاطفيًا، بل حقيقة تفرضها الجغرافيا وتشابك المصالح وطبيعة التهديدات؛ وترجمتها إلى سياسات مستدامة هي الطريق نحو منطقة أكثر أمنًا وقدرة على التنمية وصون مستقبل شعوبها.
إن عظمة مصر لا تتجلى في تاريخها الحضاري وحده، وإنما في قدرتها على قراءة التحديات من منظور استراتيجي، والتمسك بثوابتها، ودعم أشقائها، والعمل على تجنب الصراعات التي تستنزف مقدرات المنطقة، فمصر القوية هي التي تجمع بين وضوح الموقف وحكمة القرار، وبين حماية مصالحها الوطنية والإسهام في استقرار محيطها العربي، وهذه المكانة تمنح القاهرة مسؤولية مستمرة في تعزيز الحوار العربي، وتقريب الرؤى، وبناء شراكات قادرة على التعامل مع التهديدات وتحويل فرص التعاون إلى نتائج ملموسة.
