الخميس 17 سبتمبر 2026 09:22 مساءً - كشفت مؤسسة الملك خالد، في ورقة سياسات حديثة وموسعة، عن مؤشرات إيجابية تعكس تطوراً ملحوظاً في المتانة المالية للأسر السعودية تحت عنوان «سلّم الصعود للمتانة المالية: كيف نحقق الاستقلال المالي للسعوديين؟». وأظهرت نتائج الدراسة أن 64% من الأسر في المملكة تتمتع بمتانة مالية قوية، مما يشير إلى نجاح البرامج الوطنية الرامية إلى تعزيز الوعي المالي والادخار بين المواطنين، وقدرة المجتمع على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية الحديثة.
سياق التحول الاقتصادي وتعزيز المتانة المالية للأسر السعودية
تأتي هذه الدراسة في وقت تشهد فيه المملكة العربية السعودية تحولاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق في إطار رؤية السعودية 2030. تاريخياً، كان النمط الاستهلاكي السائد يعتمد بشكل كبير على الرعاية الحكومية المباشرة، مع معدلات ادخار منخفضة نسبياً بين الأفراد. ومع إطلاق “برنامج تطوير القطاع المالي” كأحد البرامج الأساسية لتحقيق الرؤية، وضعت الدولة استراتيجيات واضحة لتمكين المواطنين من التخطيط المالي السليم، وتحفيز الادخار والاستثمار الذاتي، مما ساهم بشكل مباشر في رفع مستويات الاستقرار المالي على مستوى الأفراد والعائلات.
تفاصيل الأرقام: الادخار والاستثمار في المجتمع السعودي
اعتمدت الدراسة الصادرة عن مؤسسة الملك خالد على الإحصاءات الرسمية وبيانات برنامج تطوير القطاع المالي، بالإضافة إلى مسحين ممثلين وطنياً؛ الأول نُفذ في عام 2025 وشمل 8269 مشاركاً لقياس الثقافة والشمول المالي، والثاني في عام 2024 وشمل 6596 مشاركاً لقياس المتانة المالية للأسر. وأظهرت النتائج أن قرابة 80% من السعوديين يستطيعون تدبير أموال عند الطوارئ، كما يستخدم 79% أدوات للإدارة المالية الشخصية والأسرية، مثل إعداد الميزانية وضبط النفقات اليومية.
وفيما يتعلق بالشمول المالي، بلغت نسبة البالغين الذين لديهم حسابات مصرفية نشطة 94%، بينما وصلت نسبة الادخار وفقاً للتقييم الذاتي للمشاركين إلى 87%. وعلى الرغم من هذه النسب المرتفعة في الادخار، إلا أن 24% فقط من المواطنين يملكون محافظ استثمارية. ومع ذلك، تشهد السوق المالية نمواً متسارعاً، حيث وصل عدد الأفراد الذين يملكون محافظ في سوق الأسهم الرئيسية بنهاية عام 2025 إلى نحو 7.16 مليون شخص، تشكل الإناث ربعهم. كما قفز عدد عملاء التجزئة لدى شركات التقنية المالية (Fintech) من 68 ألفاً في عام 2022 إلى أكثر من 633 ألفاً في عام 2025.
فجوات الوعي المالي وتحديات الاحتيال الرقمي
على الرغم من المؤشرات الإيجابية، كشفت ورقة السياسات عن فجوات واضحة في الثقافة المالية؛ إذ بلغ مؤشر المعرفة المالية العام 61%، في حين سجل الإلمام بمفهوم تنويع المخاطر الاستثمارية 38% فقط. كما تبين أن 54% من السعوديين لا يدركون أن ارتفاع التضخم فوق سعر الفائدة يؤدي إلى تأكل القوة الشرائية الحقيقية لمدخراتهم. وأفاد 22% فقط من المشاركين بأنهم تلقوا تدريباً على التخطيط المالي، بواقع 26% للرجال و19% للنساء.
وفي ملف الأمن المالي ومكافحة الاحتيال، أوضحت الدراسة أن 27% من المشاركين تضرروا من محاولات الاحتيال المالي. واستطاع 43% ممن تعرضوا للاحتيال استرجاع أموالهم، في حين لم يتمكن 51% من استردادها، بينما نجح 64% في تجنب كامل الخسائر بفضل الوعي الاستباقي. أما بالنسبة للتخطيط لمرحلة التقاعد، فقد أبدى 43% من السعوديين ثقة مرتفعة بخططهم المالية المستقبلية، مقابل 24% غير واثقين، مع ملاحظة ارتفاع الثقة طردياً مع التقدم في العمر ومستوى الدخل والتعليم.
مبادرات مبتكرة: “محفظة المستقبل” لدعم الأجيال القادمة
لم تقتصر الدراسة على رصد الواقع المالي، بل قدمت حزمة من التوصيات العملية لبناء أصول ومدخرات طويلة الأجل للأفراد منذ الطفولة وحتى التقاعد. واقترحت مؤسسة الملك خالد إطلاق مبادرة «محفظة المستقبل» لكل طفل سعودي، تتضمن منحاً تأسيسية قدرها 1000 ريال لمواليد أسر الضمان الاجتماعي وحساب المواطن، مع تقديم حوافز سنوية بنسبة 20% من مدخرات الطفل وبحد أقصى 3000 ريال.
كما شملت التوصيات تدشين «محفظة المواطن» كبرنامج ادخاري طويل الأجل، وتعديل رسوم الخدمات الإلكترونية على التمويل بما يتناسب مع حجم القرض، وتسريع نظام الإعسار المدني، وتطوير أدوات التبرع للطوارئ المالية، إلى جانب إدراج المعرفة المالية ضمن المناهج التعليمية لضمان بناء جيل واعٍ مالياً وقادر على إدارة موارده بكفاءة.
الأثر المتوقع للمتانة المالية على الاقتصاد الوطني والإقليمي
يحمل تعزيز المتانة المالية للأسر السعودية أبعاداً اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية على الصعيدين المحلي والإقليمي. محلياً، يسهم الاستقرار المالي للأسر في تقليص الاعتماد على شبكات الأمان الاجتماعي الحكومية، ويحفز نمو قطاع التجزئة والخدمات المالية، مما يضخ سيولة إضافية في الاقتصاد الوطني. إقليمياً ودولياً، يعزز هذا التحول من جاذبية السوق السعودية للاستثمارات الأجنبية، حيث يمثل المجتمع الواعي مالياً والنشط استثمارياً بيئة خصبة للابتكار في مجالات التقنية المالية والخدمات المصرفية الرقمية، مما يرسخ مكانة المملكة كمركز مالي رائد في المنطقة.
أخبار متعلقة :