الاثنين 14 سبتمبر 2026 04:22 صباحاً - تحل الذكرى السنوية لرحيل الشيخ مبارك عبدالله الأحمد الجابر الصباح، الذي غيبه الموت بعد حياة حافلة بالعطاء والعمل الوطني المخلص عن عمر ناهز 93 عاماً. ويُعتبر الشيخ مبارك عبدالله الأحمد نموذجاً استثنائياً لرجالات الكويت الأوفياء الذين جمعوا بين الحكمة والنزاهة والزهد في المناصب السياسية، مفضلين خدمة وطنهم بعيداً عن بريق الأضواء والحقائب الوزارية، مما منحه مكانة سامية وتقديراً رفيعاً لدى القيادة السياسية والشعب الكويتي على حد سواء.
الجذور التاريخية لأسرة الصباح ودورها في بناء الكويت
يمتد تاريخ أسرة الصباح الكريمة، التي تعود جذورها إلى العتوب من قبيلة عنزة العربية العريقة، في حكم الكويت منذ عام 1752 عندما تقلد الشيخ صباح الأول بن جابر الصباح الحكم بمبايعة شعبية ترسخ قيم الشورى والتلاحم. وتوالت الأجيال لتسطر ملاحم تنموية وسياسية كبرى؛ ففي عهد الشيخ مبارك الصباح (مبارك الكبير)، المؤسس الحقيقي للإمارة، صِيغت الاتفاقية التاريخية مع بريطانيا عام 1899 لحفظ استقرار البلاد، وصولاً إلى عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي تحقق في عهده الاستقلال الناجز عام 1961 وصياغة الدستور الكويتي.
وقد شهدت الكويت قفزات تاريخية في عهد الحاكم العاشر الشيخ أحمد الجابر الصباح (1921 – 1950)، الذي تميز عهده برسم الحدود وتأسيس مجالس الشورى والتشريع، واكتشاف النفط عام 1938 وتصديره عام 1946، مما أطلق عجلة النهضة العمرانية والتعليمية والاقتصادية الحديثة التي واصل قيادتها أبناؤه الأربعة الذين تولوا حكم البلاد وصولاً إلى صاحب السمو الأمير الحالي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح.
نشأة الشيخ مبارك عبدالله الأحمد وتعليمه
ولد الشيخ مبارك في العاصمة الكويت عام 1930، ونشأ في كنف والده الشيخ عبدالله الأحمد الجابر الصباح، الابن الأكبر للحاكم العاشر، والذي كان أحد أبرز رجالات الأمن الأوائل ومؤسس دعائم الاستقرار في قصر نايف التاريخي وجهاز الأمن العام. تلقى الشيخ مبارك تعليمه الأولي في الكتاتيب التقليدية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم التحق بالمدرسة المباركية، أول مدرسة نظامية في تاريخ الكويت وتأسست عام 1911. كما أتقن اللغة الإنجليزية في مدرسة الإرسالية الأمريكية (المعروفة بمدرسة كافلي)، مما منحه خلفية ثقافية واسعة أهلته لدخول معترك العمل العام مبكراً.
إنجازات مبارك عبدالله الأحمد في تأسيس الدولة الحديثة
بدأ الشيخ مبارك عبدالله الأحمد مسيرته المهنية نائباً لرئيس دائرة الأمن العام عقب وفاة والده عام 1957. ونظراً لكفاءته العالية ونزاهته، عينه الشيخ عبدالله السالم الصباح رئيساً لدائرة البرق والبريد والهاتف عام 1959. ومع نيل الاستقلال وتشكيل أول حكومة كويتية عام 1962 برئاسة الشيخ صباح السالم الصباح، دخل التاريخ كأول وزير لوزارة البرق والبريد والهاتف (المواصلات لاحقاً).
عقب انتخابات مجلس الأمة الأول عام 1963، عُين وزيراً للإرشاد والأنباء (الإعلام حالياً)، حيث ساهم بفعالية في وضع اللبنات الأولى للإعلام الكويتي الرائد وتطوير التلفزيون الرسمي. كما شارك كعضو في المجلس التأسيسي الذي صاغ الدستور الكويتي وساهم في سن تشريعات جوهرية مثل قانون الانتخاب رقم 12 لسنة 1963. وفي أواخر عام 1964، آثر تقديم استقالته والاعتزال التام للعمل السياسي ليتفرغ لأعماله الخاصة، مجسداً أسمى قيم الزهد والترفع عن المناصب.
الأثر التنموي والإرث الإنساني للشيخ الراحل
ترك الشيخ مبارك بصمات تنموية واضحة تجلت في التوسعة الكبرى لشبكات الاتصال والمقاسم الأوتوماتيكية وربط المناطق الكويتية ببعضها وبالمحيط الإقليمي والدولي. وقد عبّر المؤرخ والوزير السابق الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، الذي عمل مديراً للتلفزيون تحت إدارته، عن عمق الأثر الذي تركه الراحل في نفوس مرؤوسيه، واصفاً إياه بالوزير الحكيم والرجل النبيل الذي ظل حاضراً في قلوب الكويتيين بنزاهته واستقامته.
يمتد هذا الإرث العظيم عبر أبنائه وأحفاده الذين يواصلون خدمة الكويت في مختلف الميادين؛ ومنهم الشيخ طلال مبارك عبدالله الأحمد الذي ترأس الخطوط الجوية الكويتية سابقاً، والشيخ مشعل مبارك عبدالله الأحمد وكيل الديوان الأميري، وحفيده الشيخ الدكتور عبدالله مشعل مبارك الأحمد الحاصل على الدكتوراه في اقتصاديات الصحة من جامعة لندن والوكيل الحالي لوزارة الدفاع الكويتية، مما يؤكد استمرار مسيرة العطاء والوفاء لبيت الحكم الكويتي.
أخبار متعلقة :