الاثنين 17 أغسطس 2026 06:32 صباحاً - كشفت دراسة علمية سعودية حديثة، امتدت أعمالها البحثية وتحليل بياناتها على مدار عقدين كاملين (20 عاماً)، عن تفاصيل جينية جديدة ومثيرة تتعلق بمرض المياه البيضاء للأطفال (إعتام عدسة العين الخِلقي). وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في مجلة الطب السريري لعام 2026، دوراً بارزاً لظاهرة زواج الأقارب في زيادة احتمالات الإصابة بهذا المرض الوراثي، نتيجة غلبة الأنماط الجينية المتنحية بين الحالات التي خضعت للتحليل والمؤكدة مخبرياً وجينياً.
شارك في هذا الجهد العلمي المتميز نخبة من الباحثين والأكاديميين من جهات سعودية مرموقة، شملت جامعة القصيم، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، ومستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال، بالإضافة إلى مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بالشؤون الصحية بوزارة الحرس الوطني، بالتعاون مع مراكز بحثية دولية رائدة. وقام الفريق البحثي بمراجعة السجلات الطبية لـ 246 طفلاً شُخصوا بإصابتهم بمرض المياه البيضاء الخِلقي أو اليفعي في الفترة ما بين عامي 2000 و2019، وذلك داخل مركزين طبيين مرجعيين في العاصمة الرياض. وبعد تصفية الحالات واستبعاد الملفات غير المكتملة، ركز التحليل النهائي على 28 طفلاً ثبت يقيناً ارتباط إصابتهم بمتغيرات جينية وراثية محددة.
وبينت نتائج التحاليل الدقيقة أن الذكور شكلوا النسبة الأكبر من المصابين بواقع 57.14%، مقارنة بـ 42.86% للإناث، في حين تبين أن 82.13% من الحالات المؤكدة جينياً كانت تعاني من النوع الخِلقي للمرض. كما لوحظ أن الإصابة امتدت لتشمل كلتا العينين لدى جميع الأطفال الخاضعين للدراسة تقريباً باستثناء حالة واحدة فقط. ونجح الباحثون في رصد 17 متغيراً جينياً موزعة على 13 جيناً مختلفاً مرتبطاً بالمرض، مستعينين بأحدث تقنيات تسلسل الإكسوم والجينوم الكامل، مدعومة بأدوات المعلوماتية الحيوية وأنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة لتقدير تأثير هذه الطفرات على بنية البروتينات الحيوية في العين.
تأثير زواج الأقارب على انتشار المياه البيضاء للأطفال
أشارت مناقشة النتائج بوضوح إلى أن نمط الوراثة الجسدية المتنحية كان هو السائد والمفسر لغالبية الحالات، حيث حمل معظم الأطفال المصابين متغيرات متماثلة الزيجوت (Homozygous). وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تتطابق تماماً مع الدراسات الإقليمية السابقة في منطقة الشرق الأوسط وقارة آسيا، حيث ترتفع معدلات زواج الأقارب وتزداد معها فرص ظهور الصفات الوراثية المتنحية المسببة للأمراض. ويأتي هذا على عكس المجتمعات الغربية في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تسود أنماط الوراثة الجسدية السائدة (Dominant) نظراً لندرة زواج الأقارب هناك.
السياق التاريخي والجينات المرتبطة بالمرض في المملكة
تاريخياً، تُعد الأمراض الوراثية الناتجة عن زواج الأقارب من التحديات الصحية التي تسعى الجهات الطبية في المملكة العربية السعودية إلى دراستها والحد منها عبر برامج الفحص المبكر قبل الزواج. وفي سياق مقارنة النتائج، استشهد الباحثون بدراسة سعودية سابقة كشفت أن العوامل الجينية والوراثية تقف وراء 79% من إجمالي حالات المياه البيضاء لدى الأطفال في العينات المدروسة. كما أشارت دراسة سكانية وطنية سابقة إلى أن معدل انتشار هذا المرض يبلغ نحو 14.7 حالة لكل 10 آلاف طفل في الفئة العمرية ما بين 5 و18 عاماً، مما يستدعي تكثيف الجهود الوقائية.
الأهمية الطبية والتأثير المتوقع للدراسة محلياً ودولياً
تحمل هذه الدراسة أهمية بالغة على المستويين المحلي والدولي؛ فهي لا تساهم فقط في إثراء المحتوى العلمي الطبي حول الجينوم البشري، بل تقدم دليلاً عملياً لصناع القرار الصحي لتطوير استراتيجيات الوقاية. وقد كشفت الدراسة أيضاً أن بعض الأطفال الذين يحملون نفس المتغير الجيني قد تظهر لديهم أعراض سريرية متفاوتة، مثل الإصابة بالحَوَل أو الجلوكوما (المياه الزرقاء)، فضلاً عن ارتباط بعض الجينات باضطرابات عصبية وهيكلية وأيضية أوسع، مما يعني أن الإصابة بالمياه البيضاء قد تكون مؤشراً مبكراً على متلازمات وراثية أكثر تعقيداً.
وبناءً على ذلك، أوصى الفريق البحثي بضرورة دمج الفحص الجيني المبكر والاستشارات الوراثية ضمن منظومة الرعاية الصحية العينية للأطفال، لا سيما في البيئات والمجتمعات التي تشهد معدلات مرتفعة من زواج الأقارب. وتكمن أهمية هذه التوصيات في مساعدة الأسر على اتخاذ قرارات إنجابية مستنيرة وتوفير تشخيص مبكر يضمن حماية بصر الأطفال وتجنب الإعاقة البصرية المستديمة.
أخبار متعلقة :