الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 08:26 مساءً - وافقت الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية مؤخراً على تشكيل لجنة حكومية متخصصة تُعنى بملف تطوير خدمات العمد في الأحياء السكنية بمختلف المناطق. ويهدف هذا القرار الاستراتيجي إلى تعزيز دور العمدة كعنصر أساسي في المنظومة الأمنية والاجتماعية المحلية، وتشجيع المواطنين والمقيمين من سكان الأحياء على التعاون الفعّال معهم لتمكينهم من أداء واجباتهم الوطنية والاجتماعية على أكمل وجه، وذلك تماشياً مع نظام العمد ولائحته التنفيذية المعتمدة.
الجذور التاريخية والسياق العام لنظام العمد بالمملكة
لطالما حظيت وظيفة “العمدة” بمكانة تاريخية واجتماعية مرموقة في المجتمع السعودي منذ عقود طويلة؛ فالعمدة لم يكن مجرد موظف إداري، بل كان بمثابة المرجع الأول لأهل الحي، والمسؤول المباشر عن حل النزاعات، والتعرف على احتياجات الأسر، ومساندة الأجهزة الأمنية في رصد أي تحركات مشبوهة. ومع التطور المتسارع والنمو السكاني والمدني الهائل الذي تشهده مدن المملكة، برزت الحاجة الملحة لتحديث هذا الدور التقليدي ودمجه ضمن منظومة الحوكمة الرقمية والأمنية الحديثة، وهو ما يفسر التوجه الحالي نحو تحديث الأنظمة وتطويرها لتوائم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء مجتمعات حيوية وآمنة.
12 مهمة أمنية واجتماعية تحدد ملامح العمل الأمني للعمد
يُعتبر العمدة ونوابه من رجال الأمن الحيويين المساهمين بشكل مباشر في حفظ النظام العام واستتباب الأمن والاستقرار داخل الأحياء السكنية. وتتضمن اللائحة التنفيذية لنظام العمد 12 مهمة أساسية تقع على عاتقهم، ومن أبرز هذه المهام:
- متابعة الأوضاع الأمنية العامة داخل نطاق الحي السكني والرفع بها.
- الإبلاغ الفوري عن الحوادث والتصرفات والممارسات المشبوهة التي تثير القلق.
- التحري والتقصي عن مجهولي الهوية والمخالفين لأنظمة الإقامة والعمل.
- رصد الفارين من وجه العدالة والمطلوبين أمنياً وتسهيل القبض عليهم.
- مراقبة حمل وإحراز الأسلحة غير المرخصة والتعاون الوثيق مع المحققين والجهات الأمنية المختصة.
- مرافقة ممثلي السلطة القضائية والأمنية عند دخول المنازل وتفتيشها بموجب الأنظمة.
- تقديم الدعم والمساندة للدوريات الأمنية والموظفين الحكوميين المكلفين بمهام رسمية داخل الحي.
- مساعدة المحضرين ومندوبي الدوائر الحكومية وتسهيل تنفيذ أعمالهم الميدانية.
- تصديق الوثائق والأوراق الرسمية المحددة نظاماً لسكان الحي.
- رصد حالات العبث بالمرافق العامة أو إساءة استخدامها والإبلاغ عنها للجهات المعنية.
- تحديد الأسر والأفراد المستحقين لخدمات الضمان الاجتماعي والجمعيات الخيرية (جمعيات البر) لضمان وصول الدعم لمستحقيه.
التقارير اليومية كأداة لتعزيز الأمن الوقائي
لضمان المتابعة المستمرة والتنسيق اللحظي مع الجهات الأمنية، يلتزم العمدة برفع تقرير يومي مفصل إلى مرجعه الإداري والأمني المباشر. يتناول هذا التقرير كافة الحوادث والمسائل الهامة المرتبطة بالأمن والاستقرار الاجتماعي في نطاق اختصاصه الجغرافي، وذلك وفق نموذج موحد ومحدد بدقة في اللائحة التنفيذية، مما يساهم في تفعيل الأمن الوقائي وسرعة الاستجابة لأي طارئ قد يهدد سلامة السكان.
أهمية القرار وتأثيره المتوقع على الأمن المجتمعي وتطوير خدمات العمد
يحمل قرار تشكيل لجنة تعنى بملف تطوير خدمات العمد أبعاداً وتأثيرات إيجابية بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية. محلياً، يساهم هذا التطوير في تعزيز اللحمة الاجتماعية وبناء جسور ثقة متينة بين المواطن ورجل الأمن، مما يقلل من معدلات الجريمة ويسرع من وتيرة التنمية الحضرية. وإقليمياً ودولياً، يقدم هذا النموذج مثالاً يحتذى به في كيفية دمج الموروث الاجتماعي التقليدي مع الأنظمة الأمنية الحديثة لتحقيق مفهوم “الأمن الشامل” القائم على الشراكة المجتمعية الفعالة.
العمدة كحلقة وصل لا غنى عنها في العصر الحديث
وفي هذا السياق، أكد اللواء المتقاعد سالم المطرفي أن العمد يمثلون حلقة وصل جوهرية وحيوية بين سكان الأحياء من جهة، وبين مراكز الشرطة والجهات الخدمية والتنموية من جهة أخرى. وأوضح المطرفي أن دور العمدة يتجاوز الجانب الأمني الصرف ليشمل التعرف عن قرب على أحوال السكان المعيشية، ومساعدة الفئات المحتاجة، ودعم الجمعيات الخيرية، فضلاً عن الإصلاح بين المتخاصمين وتعزيز قيم التراحم والتواصل بين الجيران.
كما فند اللواء المطرفي الاعتقاد الشائع والخاطئ لدى البعض بأن دور العمدة قد انتهى أو تراجع مع التطور التقني، مؤكداً أن عدداً كبيراً من العمد لا يزالون يمارسون مهامهم بكفاءة عالية من مكاتبهم داخل الأحياء، بينما يعمل البعض الآخر من مكاتب مخصصة لهم داخل مراكز الشرطة. وشدد على أن وجود العمدة يظل ضرورة ملحة لدعم الأجهزة الأمنية ومكافحة الجريمة المنظمة ورصد مكامن الخلل الاجتماعي، داعياً إلى مواصلة تفعيل دورهم وتحديث أدوات عملهم بما يتواكب مع المتغيرات المعاصرة.
