ياسر الجرجورة - الرياض - الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 11:07 مساءً - أكدت مونيكا وليام خبيرة العلاقات الدولية؛ أن موافقة مجلس النواب المصري على تفويض فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة العربية السعودية والدفاع عن أراضيها وسيادتها تمثل تطورًا مهمًا في إدارة مصر للتصعيد الإقليمي، وتعكس طبيعة الدور الذي تضطلع به الدولة المصرية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في معادلة الأمن القومي العربي، فالموقف المصري اتسع لينتقل إلى الاستعداد لاتخاذ إجراءات عملية لحماية الأمن الإقليمي، مع الالتزام بالضوابط الدستورية، والحفاظ على المصالح الوطنية، ومواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء المواجهة ومنع اتساع نطاقها.
ثوابت السياسة المصرية في إدارة الأزمات
وتابعت لـ" اليوم السابع": تكمن أهمية القرار في ضرورة قراءته ضمن تسلسل التحركات المصرية خلال الأزمة، باعتبارها خطوة تتصل بالمسار السياسي والدبلوماسي، فقد منحت مصر الجهود الدبلوماسية فرصة للتحرك، وراهنَت على إمكانية خفض التصعيد واحتواء التهديدات عبر الاتصالات والمشاورات الإقليمية، قبل استكمال الإجراءات المؤسسية المرتبطة بالتفويض البرلماني، وهذا التدرج يعكس أحد ثوابت السياسة المصرية في إدارة الأزمات، وهو إعطاء الأولوية للحلول السياسية، دون التفريط في القدرة على حماية الأمن القومي أو السماح بتحول الاعتداءات إلى أمر واقع يهدد استقرار المنطقة.
وأضافت، أن موافقة مجلس النواب لا تعني إغلاق الباب أمام الدبلوماسية، لكن تعكس استعداد الدولة المصرية للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بالتوازي مع استمرار المساعي السياسية، فالدبلوماسية الفاعلة لا تقوم على استبعاد أدوات القوة، وإنما على توظيفها ضمن استراتيجية متكاملة تمنع التصعيد وتدعم فرص التفاوض، كما أن الردع الدفاعي، عندما تكون أهدافه وحدوده واضحة، يمكن أن يسهم في رفع تكلفة الاعتداءات، ويبعث برسالة مفادها أن حماية أمن الدول العربية ليست مسألة قابلة للتجاهل، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام التسويات السياسية.
دعم المقاربات السياسية
وأكدت مونيكا؛ أن التحركات الدبلوماسية الإقليمية تكتسب أهمية إضافية، لا سيما الاجتماع الذي عُقد بين طهران بمشاركة السعودية وباكستان وتركيا، في إطار البحث عن سبل لاحتواء التوترات وإحياء قنوات التواصل، وتكشف هذه التحركات عن إدراك متزايد لدى الأطراف الإقليمية بأن استمرار المواجهة يفرض تكاليف أمنية واقتصادية تتجاوز حدود الدول المنخرطة فيها، وأن غياب قنوات الحوار قد يؤدي إلى اتساع دائرة الاشتباك وتعدد جبهاته، كما أن مشاركة مصر في المشاورات الإقليمية، ومنها اجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا في إسطنبول يوم 23 أكتوبر، تعكس حرص مصر على دعم المقاربات السياسية وتنسيق المواقف لمنع تفاقم الأزمة.
وأضافت الخبيرة في العلاقات الدولية؛ لا يعني استمرار هذه المساعي أن فرص التسوية مضمونة، لكنه يؤكد أن هناك مسارات يمكن البناء عليها لاستعادة التواصل السياسي وتقليص احتمالات سوء التقدير، وهنا تظهر أهمية المقاربة المصرية التي تجمع بين التحرك الدبلوماسي والاستعداد الدفاعي؛ فالدولة المصرية في الحقيقة لا تتعامل مع الخيار العسكري باعتباره هدفًا في حد ذاته، وإنما باعتباره أداة احتياطية لحماية المصالح الحيوية إذا فشلت الجهود السياسية في وقف التهديدات، وتظل الأولوية هي منع تحول التصعيد إلى مواجهة إقليمية ممتدة يصعب احتواء تداعياتها.
واشارت "مونيكا" إلى الدور المصري، قائلة: إن أهمية المساندة المقدمة للمملكة العربية السعودية تنبع من طبيعة الترابط بين الأمن القومي المصري وأمن الخليج والبحر الأحمر. فاستقرار السعودية يرتبط بتوازنات الطاقة والتجارة الإقليمية، بينما تتصل المصالح المصرية مباشرة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وحرية الملاحة عبر قناة السويس، وأي تهديد مستمر للموانئ أو المنشآت الحيوية أو خطوط الملاحة قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤثر في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، فضلًا عن انعكاساته على الاستقرار الاقتصادي الإقليمي. وبالتالي، فإن مساندة السعودية لا تنطلق من اعتبارات التضامن العربي وحدها، بل ترتبط أيضًا بحسابات استراتيجية مصرية مباشرة.
وأكدت "الخبيرة" أن التحركات التي قادها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي تجاه دول الخليج تكشف أن مصر تنظر إلى أمن الدول العربية باعتباره جزءً من منظومة أمنية مترابطة، فالتواصل المباشر مع القيادات الخليجية يحمل رسالة سياسية مفادها أن مصر حاضرة في إدارة الأزمة، وأنها تسعى إلى منع عزل أي دولة عربية تواجه تهديدات تمس سيادتها وأمنها، كما يعكس هذا التحرك رغبة مصرية في تنسيق المواقف العربية وتوسيع مساحة التفاهم بشأن كيفية التعامل مع التصعيد، دون الانجرار إلى خطوات غير محسوبة قد تفتح الباب أمام مواجهة أوسع.
وقالت مونيكا: إن طبيعة المشاركة المصرية المحتملة ستكون دفاعية بالأساس، وفقًا لما أُعلن بشأن حماية الأراضي السعودية وحدودها، وليس توسيع نطاق العمليات العسكرية أو المشاركة في شن هجمات داخل اليمن، وقد تشمل المساندة، وفق القرارات الرسمية والتنسيق بين البلدين، تعزيز التعاون الدفاعي وتبادل المعلومات وتنسيق إجراءات حماية المنشآت الحيوية والمجال الجوي، إلى جانب صور أخرى من الدعم تتحدد وفقًا لطبيعة التهديد. لكن من الضروري التمييز بين الخيارات المتاحة للدولة وبين الإجراءات التي تقرر تنفيذها فعليًا؛ خاصة ان الموافقة البرلمانية وحدها لا تعني أن مهمة عسكرية محددة قد بدأت أو أن تفاصيلها حُسمت.
احترام الدستور المصري
وأضافت: يكتسب القرار أهمية خاصة من زاوية احترام الدستور المصري؛ فالمادة 152 تنظم إعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، وتحدد الضوابط المرتبطة بأخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه، ويؤكد الالتزام بهذه الإجراءات أن القرارات المرتبطة باستخدام القوة العسكرية تخضع لإطار مؤسسي يراعي طبيعتها الاستثنائية وحساسيتها الاستراتيجية، كما أن هذا الإطار يعزز مشروعية القرار، ويؤكد أن أي تحرك خارجي يجب أن يستند إلى تقدير واضح للأهداف والمخاطر والنتائج المتوقعة.
واختتمت مونيكا تصريحها لـ"اليوم السابع" قائلة: موافقة مجلس النواب تعكس تلاقي ثلاثة اعتبارات رئيسية في الموقف المصري: التضامن الاستراتيجي مع السعودية، والاستعداد لحماية الأمن القومي العربي، واحترام الدستور والأولوية الوطنية، بالتوازي مع استمرار الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد، فمصر لا تسعى إلى توسيع الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل بتهديد أمن الدول العربية أو تجاهل انعكاساته على مصالحها، وتتمثل قوة المقاربة المصرية في قدرتها على الجمع بين الردع والدبلوماسية، وبين الاستعداد للدفاع وإتاحة الفرصة للحوار، بما يعزز دور القاهرة في معادلة الأمن الإقليمي ويدعم فرص الوصول إلى تسوية تحول دون انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع.
أخبار متعلقة :